في الحياة عليك أن تتقن فن التعافي، إن أتقنته ستُحل نصف مشكلاتك… مقدمة كتاب “فن التعافي” بقلم دينا المهدي

“في الحياة عليك أن تتقن فن التعافي، إن أتقنته ستُحل نصف مشكلاتك”

“في الحياة عليك أن تتقن فن التعافي، إن أتقنته ستُحل نصف مشكلاتك”.كتبت هذه العبارة منذ مدة، وهي في الحقيقة حصيلة تجارب مررت بها. فكم من خديعةٍ هشمت أضلاع ثقتنا بأنفسنا، وكم من خيبةٍ مكنَّاها من قلوبنا ففطرتها. دائمًا كنت أعجب بأولئك الذين لا يطيلون البقاء في محطات الانتظار، الذين يغلقون كُتب حكاياتهم بدلًا من فتح صفحات جديدة، الذين يعبرون ويتجاوزون كل ما من شأنه إنهاك أرواحهم وسلب راحتهم، وأتساءل دائمًا عن مقدرتهم العجيبة في فعل هذا كله، حتى أيقنت أخيرًا بأنه فن من فنون الحياة يُدعى ”فن التعافي“. هذا الفن الذي نحن بحاجة ماسة لإتقانه؛ لأنه بالفعل ستحُل نصف مشكلاتنا؛ لأن كثرة البقاء في النقطة نفسها والصفح في كل مرة عن الخطأ نفسه، إحدى المشكلات المُنهكة للنفس؛ فنحن تتجدد أرواحنا بالتغيير والانتقال للنقطة الأكثر سلامًا، نجد بها ذواتنا الحقيقية. والتعافي والتجاوز عمومًا ليس مُقتصرًا على الأشياء. أحيانًا علينا أيضًا تجاوز أشخاص؛ ففي هذا الحياة لا بد أن نصادف شخصًا على هيئة درس، نتعرف من خلاله على الجانب السيء لكل المسميات، وبدلًا من أن نستنزف طاقتنا ونبتر جزءً من أرواحنا، يتوجب علينا فقط أن نتجاوزه، ويبقى في القائمة السوداء للأشخاص الذين سنتجنب أمثالهم غدًا.يا عزيزي القارئ قد تتعجب من عنوان هذا الكتاب” فن التعافي“. فالفن خلق رباني وموهبة إلهية؛ إذ تتكون داخل الإنسان منذ الطفولة، كما أنه تعبير عن كل ما هو جميل وراقٍ وإبداعي، كل ما هو يسمو بالبشر لعوالم غير منظورة. لكن بعض الفنون يطلق عليها فنونًا؛ لأنها تحتاج إلى إرادة قوية للنجاح فيها وتخطي الأمور الصعبة، ونكتسبها بالتجارب المؤلمة والخيبات المتتالية.

وإذا كان ثمة تسليم بأن فنون الحياة لا يمكن للجميع أن يتعاطى معها مدركًا مغزاها وفحواها، ولا يتمكن من سبْر أغوارها سوى نخبة معينة، فإن ثمة تسليمًا آخر بأن تلك الفنون يَسْهُلُ على كثيرين فكُّ رموزها. فتجاوز الخيبات فن، وإتقانه يتطلب مهارة عالية، لا نكتسبها عادةً إلا بكثرة التجارب، واتقاد الوعي. التعافي والتجاوز لا يعني النسيان، بل يعني أن تذكر كل تلك التفاصيل الموجعة دون أن تتأثر.في إحدى مقالاتي بمجلة Elephant Journal الأمريكية أدرجت استطلاعًا لآراء القراء حول إمكانية التعافي، أو بالأصح الوقت الذي يحتاجون إليه لتجاوز خيبةٍ ما. لم أُدهش من الاختلاف الكبير والتباين في القدرة والرأي بين القراء. فالبعض ربطها بالوقت، وحدد فترة زمنية، يرى أنه يحتاج إليها ليجتاز خيبته، والبعض الآخر استحال لديه النسيان، وآخرون ليسوا بحاجة إلى وقت؛ فخمس دقائق أكثر من كافية ليقلبوا الصفحة، وتستمر الحياة.تتفاوت ردود الأفعال باختلاف المتلقين وباختلاف ثقافتهم وجنسياتهم لكن فن التعافي ميثاق واحد لا خلاف عليه. فنحن لا نمرّ بالتجارب ذاتها؛ لذا لسنا بالصلابة ذاتها، ولا يملك جميعنا الحكمة الكافية لتحجيم المشكلات؛ فقد ينهار أحدنا أمام المواجهة الأولى، ولا تقوم له قائمة بعدها، بينما تزداد صلابة آخر بعد كل نِزال يخرج منه رابحًا كان أو مهزومًا. بعض المشكلات نلج عبرها إلى حزنٍ سحيق؛ ولا نقوى الفكاك منه حتى نمر بمراحل الحزن الخمس؛ وهي: النكران، الغضب، المساومة، الاكتئاب، ثم القبول. وبعد القبول يأتي التجاوز والتعافي، وقد لا نتجاوز ونتعافي، وتعيش بنا الغصة ما حيينا.

“لا تحاول أن تقاوم التغييرات التي تعترض سبيلك، بل دع الحياة تعيش فيك. ولا تقلق إذا قلبت حياتك رأسًا على عقب. فكيف يمكنك أن تعرف أن الجانب الذي اعتدت عليه أفضل من الجانب الذي سيأتي؟ إليف شافاق

فن التعافي هو اتباع طرق ذكية لتجاهل الأحداث الماضية المزعجة للعقل فكل إنسان تواجهه مواقف وظروف مؤلمة وجارحة ولكنه بالطبع لا يستطيع أن يمحوها تمامًا من الذاكرة، بل يمكنه أن يتجاهلها قدر المستطاع أو يقلل من عودتها للذاكرة؛ لأنها قد تسبب آلامًا نفسية وتصيبه بالاكتئاب والقلق وتقلل من روحه المعنوية وتجعله يفقد الأمل في الحياة. كما تنخفض الطاقة عنده أو قد لا يرغب في القيام بالمهام والواجبات، أو قد يؤديها بدون إقبال فلا ينجح فيها، أو قد ينجح بدون تفوق، أو قد تؤثر تلك الذكريات على الحاضر الذي يعيش فيه ومستقبله؛ لأن التعايش مع الآلام الماضية لا يجدي بشيء غير أنه يحزن الإنسان. بالإضافة إلى أن تذكر الذكريات المؤلمة يحبط الإنسان، ويجعله يخلد للنوم الكثير هروبًا من الواقع، كما يجعله انطوائيًّا وغير متقبل للمجتمع الذي يعيش به. لذلك فإن تعلم فن التعافي هو أمر مهم جدًّا لصحة الإنسان النفسية والبدنية والعقلية، ويساعده على أن يبدأ حياته من جديد وكأن شيئًا لم يكن.

“الحزن الذي يمكن أن يحطم قلبك هو في بعض الأحيان الشيء نفسه الذي يشفيه.” لقائلها

لنخطو أولى خطواتنا نحو التجاوز والتعافي يجب أن نتقبل فكرة بوارِ تُربة الماضي، وأن الحرث فيها عبث لن نجني منه سوى هدر أعمارنا. فعلينا أن نتقبل كل ما نمرّ به ليأتي بعده القرار بالتجاوز والعبور نحو الضفة الأخرى من حقيقة الحاضر الذي يجب أن نكترث له، ونعيشه بكل رحابةٍ ورضا. حين نقبل ونرضى نكون على الطريق الصحيحة التي تقودنا نحو التسليم والقبول. وفي القبول اتزان وجذب للسلام الداخلي. ولنحظى بكل ما سبق علينا أن نجعل التسامح منهجنا. فحين تعمر قلوبنا بالتسامح والصفح عن أنفسنا وزلاتها وعن الغير وهفواته فإننا في طريق السلام الأبدي. فلا سلام وقلوبنا تلوك الندم أو الضغينة. ولا سلام وأرواحنا تختنق بالماضي وما تعلق به. نحن أبناء اليوم، بل اللحظة، ولا نملك غيرها؛ فالتفكير فيما مضى مضيعة للوقت؛ فما مضى لا يعود. وكل لحظة غادرتنا حملت معها بياضها وسوادها. والمستقبل مجهول، والتكهن بما سيحدث فيه خوضٌ في غيبيات لا نملكها، لكننا نملك تعزيز أرواحنا بقوة القبول والاستعداد لمواجهة كل ما سنمرّ به بوعي ورضا وتسليم يحفظ لنا الاتزان في كل موقف وقصة قد نخوضها لاحقًا. الأمس واليوم والغد هي ثالوث الحياة، تستند على بعضها. فتعاملنا مع الماضي نعيش نتائجه اليوم؛ لذا فإن قبولنا لليوم، وتفاؤلنا فيه، سيمنحنا ضوءًا نعبر من خلاله إلى المستقبل. وفي النهاية علينا أن ندرك أن التجاوز ثمن ندفعه لنشتري الراحة المنشودة، وأنه فن من الجميل أن نتقنه. عزيزي القارئ هذا الكتاب سيرافقك في رحلتك من الألم والصدمة إلى التعافي والنسيان، ويقدم لك طرقًا عديدة لإتقان فن التعافي… تعلم كيف تتجاوز لتعيش… لا تتخذ موقفًا من كل حادثة تمر.

“معظم الأشياء المهمة في العالم أنجزها أناس ظلوا يحاولون عندما بدا أنه لا أمل على الإطلاق… ديل كارنيجي

من مقدمة ترجمتي لكتاب “فن التعافي”. لمزيد من المعلومات عن الكتاب، يرجى زيارة موقع دار دون للنشر والتوزيع 

Leave a comment